الحلبي

44

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

عني إلى الليل ما انصرفت حتى تنقضي حاجتها . قيل وفي هذه السنة التي هي سنة ست حرمت الخمر ، وبه جزم الحافظ الدمياطي ، وقيل حرمت سنة أربع ، أي ويدل له ما تقدم من إراقة الخمر وكسر جررها في بني قريظة ، وقيل في السنة الثالثة ، وقيل إنما حرمت في عام الفتح قبل الفتح . قال بعضهم : حرمت ثلاث مرات : أي نزل تحريمها ثلاث مرات كان المسلمون يشربونها حلالا ، أي لغيره صلى اللّه عليه وسلم ، أما هو فحرمت عليه قبل البعثة بعشرين سنة ، فلم تبح له قط . وقد جاء « أول ما نهاني عنه ربي بعد عبادة الأصنام شرب الخمر » وتقدم أن جماعة حرموها على أنفسهم وامتنعوا من شربها ، ولا زالت حلالا للناس حتى نزل قوله تعالى يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ [ البقرة : الآية 219 ] فعند ذلك اجتنبها قوم لوجود الإثم وتعاطاها آخرون لوجود النفع ، أي وكانوا ربما شربوها وصلوا ، فلما نزل قوله تعالى لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى [ النّساء : الآية 43 ] امتنع من كان يشربها لأجل النفع من شربها في أوقات الصلاة ، ورجع قوم منهم عن شربها حتى في غير أوقات الصلاة ، وقالوا : لا خير في شيء يحول بيننا وبين الصلاة . وسبب نزول هذه الآية ما جاء عن علي كرم اللّه وجهه ، قال : صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاما : أي وشرابا من الخمر ، فأكلنا وشربنا ، فأخذت الخمر منا وحضرت الصلاة : أي الجهرية ، وقدموني فقرأت قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ ( 1 ) لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ ( 2 ) [ الكافرون : الآية 1 ، 2 ] ونحن نعبد ما تعبدون ، إلى أن قلت : وليس لي دين وليس لكم دين . ثم نزلت الآية الأخرى الدالة على تحريمها مطلقا وهي إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [ المائدة : الآية 90 ] إلى قوله فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [ المائدة : الآية 91 ] أي ولعل هذه الآية الأخيرة هي التي عناها أنس رضي اللّه عنه بقوله كما في البخاري : كنت ساقي القوم الخمر بمنزل أبي طلحة ، أي وهو زوج أمه رضي اللّه عنهم ، ونزل تحريم الخمر ، فمرّ مناد ينادي : ألا إن الخمر قد حرمت ، فقال أبو طلحة اخرج فانظر ما هذا الصوت ؟ قال : فخرجت ، فقلت : هذا مناد ينادي : ألا إن الخمر قد حرمت ، فقال لي : اذهب فأهرقها ، فقال بعض القوم : قتل قوم : أي في أحد وهي في بطونهم . وفي رواية قالوا : يا رسول اللّه كيف بمن مات من أصحابنا ، وكان شربها ، فأنزل اللّه تعالى لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا [ المائدة : الآية 93 ] أي لأن ذلك كان قبل تحريمها مطلقا . وقد جيء لعمر رضي اللّه عنه بشخص من المهاجرين الأوّلين قد سكر ، فأراد عمر جلده فاستدل على عمر بهذه الآية ، فقال عمر لمن حضره ألا تردون عليه ، فقال